محمد متولي الشعراوي
1513
تفسير الشعراوى
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ( سورة البقرة ) إنهم لم يلتفتوا إلى أن بعضا من كمال وجلال اللّه غيب ؛ لأنه لو كان مشهودا محسا ، لحدد - بضم الحاء وكسر الدال - وحيّز ، وما دام قد حدد وحيّز في تصورهم فذلك يعنى أنه سبحانه قد يوجد في مكان ولا يوجد في مكان آخر ، والحق سبحانه منزه عن مثل ذلك لأنه موجود في كل الوجود ، ولا نراه بالعين ، لكن نرى آثار أعماله وجميل صنعه في كل الكون . إذن فكون اللّه غيبا هو من تمام الجلال والكمال . فيه . لكن اليهود قد صوروا الأشياء كلها على أنها حسية ، حتى أمور اقتيات حياتهم وهي الطعام ، لقد أرادها اللّه لهم غيبا حتى يريحهم في التيه ، فأرسل عليهم المنّ والسلوى ، كرزق من الغيب الذي يأتي إليهم ، لم يستنبتوه . ولم يستوردوه ، ولم يعرفوا كنهه ، ولم يجتهدوا في استخراجه ، إنه رزق من الغيب ، ومع ذلك تمردوا على هذا الرزق القادم لهم من الغيب وقالوا كما أخبر اللّه عنهم : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ( من الآية 61 سورة البقرة ) إنهم يريدون أن يكون طعامهم كما ألفوا ، وأن يروا هذا الطعام كأمر مادي من